مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه

مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه
من المعلوم أن الرسائل الجامعية لا بد أن تقدم للمناقشة الأصولية الاسمية المعهودة التي يتبعها إصدار قرار من اللجنة بمنح الشهادة وإعطاء التقدير لها حسب نوعيّةِ تلك الرسائل قوةً وضعفاً. وتختلف وجهات النظر بالنسبة للطريقة التي يسلكها الأساتذة المناقشون لتلك الرسالة وما يهدفون إليه من تلك المناقشة، فهل القصد من ذلك الاطلاع على محتوى تلك الرسالة وتقويمها ومنح صاحبها الشهادة المطلوبة وفق طريقة تتّسم بالهدوء والنصيحة وإثبات الأخطاء أو أن القصد من ذلك تقويم الباحث وتنبيهه إلى الأخطاء العلمية في البحث العلمي حتى لا يقع فيها، والتشديد عليه في ذلك على صورة من صور المحاسبة الدقيقة وهذا يؤدي ببعض الطلبة إلى اليأس والقنوط من القدرة على مواصلة البحث العلمي، ويخفق مع كل متطلبات البحث العلمي، وهو رمز المصادر العلمية. ولا بد أن ينظر إلى الرسائل العلمية نظرة فيها تشديد يقصد به تمتين البحث العلمي وتعميقه والبعد عن الدراسات الشكلية الظاهرية. ولننظر إلى ما قاله بعض الباحثين : (ربما كانت الإشارة إلى الإحباط العلمي): صورة غير متعمدة إلى (الصراع النفسي) الذي يواجهه طالب الدراسات العليا فصاعداً حتى يوم مناقشة رسالته العلمية؛ حيث يكون في النقطة الحرجة من هذا الصراع خشية الرفض أو عدم منحه الدرجة العلمية لأسباب يجهلها هو في الإعلان ويقدرها تقديراً مُشوَّشاً في السرّ، وإذ إن طبيعة) المناقشة ومستواها واتجاهاتها ليست معلومة مسبقاً لديه فإن صراعه للنفس يتزامن ويتنامى، حتى إذا عرف عن هيئة المناقشة أعضاءها أسماء وطبائع نراه يستقر على حالة من الوضع النفسي ليتهيأ بدوره لمواجهة هذا الموقف المستجد.
وربما كانت المعالجة التالية لهذه الظاهرة التي كتبها أستاذ جامعي عراقي، وهو في الوقت نفسه باحث علمي أسهم في الكثير من الدراسات الميدانية خارج الوسط الجامعي إنه الدكتور عبد القادر الشيخلي تمثيل صورة صادقة وكاملة لما نرى أن القارئ العراقي العربي به حاجة إليه فيقول : من الظواهر الاجتماعية – العلمية التي مارستها جامعاتنا العربية، والتي تدعو إلى الارتياح والحبور مناقشة الرسائل العلمية المتمثلة ببحوث الماجستير والدكتوراه وهي ظاهرة تدل دلالة بالغة على علة نضوج الجامعة وقدراتها المتفاقمة على العطاء والإبداع.
والحقيقة أن مناقشة الرسائل العلمية تتباين بتباين الجامعات في قيمها وتقاليدها الأكاديمية، إضافة إلى اختلاف الأساليب والطرائق وفقاً لمتغيرات بيئية أو لمحددات نفسية نابعة من تقدم بعض المجتمعات أو بالعكس تظهر ما في المجتمعات من سوءات وعورات ومثالب وإجمالاً يمكن ملاحظة أسلوبين جوهريين في مناقشة الرسائل العلمية :
- الأول : أسلوب المحاكمة : وهو الأسلوب القائم على إدانة الطالب الباحث وتفنيد آرائه، وتقييم مقترحاته .
- الثاني : الأسلوب الآخر النقيض : يقوم على المحاورة المتمثلة بتبادل المعلومات العلمية أو المعرفية، وفتح الحدود بين الخبرات الفنية المكتسبة، والمساجلة بين الأجيال وصنوف العلميين أو الفنيين وزبدة القول في هذا الشأن أن أساس أسلوب المحاورة هو الإضافة للفكر، وشتان بين الأسلوبين وفيما يلي بيان بإيجاز مناسب :
أولاً: أسلوب المحاكمة
جوهر هذا الأساس هو الانفعال شكلاً والإدانة مضموناً.
أ- مظاهر المحاكمة :
للمحاكمة مظاهر أبرزها :
- التشنّج : يُلاحظ في هذا الأسلوب أن أعضاء لجنة المناقشة أو المؤمنين بأسلوب المحاكمة يتشنجون في مناقشتهم، وكأن الواحد منهم يبغي إثبات أكبر قدر ممكن من معلوماته على حساب طالب هو في بداية طريقه العلمي، ويسود الانفعال على نحو أن بعض المناقشين قد يكون فرضُه محاكمة الأستاذ المشرف لا الطالب. ويبدو الأمر وكأن المسألة منصبة على تصفية حسابات شخصية قديمة أو قائمة، وفي سائر الأحيان يكون الطالب هو الضحية وكبش الفداء ويرتعب فيما لا مبرر للرعب.
- الاهتمام الزائد بالشكليات على حساب المضمون : يصرف أعضاء لجنة المناقشة نحو أسلوب المحاكمة جُلَّ وقت المناقشة للاهتمام المغالى فيه بالجوانب الشكلية من الرسالة توزيع الأبواب والفصول والهوامش والأخطاء الإملائية والنحوية … إلخ ) على حساب جوهر الموضوع المتمثل بالقضايا العلمية أو الفكرية، وليس معنى ذلك ميلي إلى عدم العناية بالشكليات أو الغضّ من شأنها، ولكن الإفراط بها يكون على حساب المضمون والحقيقة، لأن الشكل جزء من المضمون لا العكس، إلا أن وجه الاعتراض ينصب على العناية بجزء وفصله على الجزء الآخر.
- إرباك الطالب وتفنيد أقواله والقوة غير المبررة عليه: في ظل أسلوب المحاكمة يرتبك الطالب ارتباكاً محسوساً؛ فيوم المناقشة بالنسبة له أشق يوم في عمره، وينتظر قرار إجازة بحثه ومنحه الشهادة، وبالعكس فقد يدور في خلده أن اللجنة ستعزف عن ذلك. يضاف إلى ما تقدم أن أسلوب مناقشة الطالب لا تخلو من قسوة؛ فقد تتضاءل أمامه فرص الدفاع عن بحثه، أو أن إرباكه يؤدي إلى افقاده القدرة على جمع شتات أفكاره وإبرازها بشكل منهجي للرد على الاعتراضات فالمناخ الذي يسود في ظل أسلوب المحاكمة يهيمن عليه الخوف ولا قدرة للتفكير في ظل الخوف.
- المرور على محاسن الرسالة ومزاياها مرور الكرام والتعمق بسلبياتها: ومثالها على نحو صارخ يلجأ بعض أعضاء اللجنة إلى الإشادة بمحاسن الرسالة (البحث) إشادةً تغلب عليها الصفة العمومية بحيث لا يدرك المستمع بصفة دقيقة أين هذه المزايا كي يتعلّم منها؟! أما سلبيات الرسالة أو مثالبها فيتوغل الأعضاء في ذكرها وكأنها هيا المسألة الكبرى في مناقشة الرسائل العلمية، والوضع الصحيح فيما أرى يتمثل بذكر أهم السلبيات الكبرى، ثم تزويد الطالب بقائمة للأخطاء النحوية والإملائية وبقية السلبيات الثانوية فإرهاق الطالب بتعداد السلبيات تغلب عليها الصفة الفرعية أو الجزئية ليس من العلم بشيء ولا في أصول التربية السليمة .
- بؤس المحاكمة: يتمثل بؤس المحاكمة في مناقشة الرسائل العلمية في عدم تمبيز أعضاء اللجنة بين مناقشة رسالة الماجستير ورسالة الدكتوراه ؛ فلكل رسالة (بحث) أسسه ومعاييره والبحث القيم لدرجة الدكتوراه، ورسالة الماجستير يغلب عليها صفة العمومية، حيث يتناول الباحث فيها مسألة ذات عِدَّةٍ أوجه ومستويات وجوانب درجة الدكتوراه تخص بحثاً لجزئية صغيرة يتعمق الباحث فيها تعمقاً يستشرف من خلاله کامل آفاق موضوع تخصصه العلمي أو الفني، وبؤس المحاكمة يظهر في أغلب الأحيان في لجوء أعضاء المناقشة التي تقيم بحث الماجستير بأسس ومعايير بحث الدكتوراه ؛ فالشدة التي يؤخذ بها طالب الدكتوراه في حقيقة الأمر هي أكثر مما تمارس على طالب الماجستير؛ ذلك أن الأخير في مقتبل حياته العلمية والبحثية والمنهجية وليست لديه الخبرات الشاملة التي تبرر التشديد عليه تشديداً ساحقاً.
- أساس المحاكمة: إن أساس أسلوب المحاكمة هذا يتمثل في الاعتقاد أن الطالب متهم ومطلوب إثبات براءته، ومظاهر إدانته :
إن أساس أسلوب المحاكمة هذا يتمثل في الاعتقاد أن الطالب متهم ومطلوب إثبات براءته، ومظاهر إدانته :
- ضعف بحثه أو سطحيته .
- سرقته للأفكار الواردة فيه .
- لم يبذل الجهد الثقافي الكلي، فلا يُعدُّ تقويمه بحثاً مبتكراً أو متميزاً ومتسماً بالأصالة والعمق .
- لم يلتزم بالأمانة العلمية وأخلاقيات العمل العلمي.
وإلى أن يدافع الطالب عن بحثه ويرد الاعتراضات الشكلية والموضوعية المنصبَّة عليه، تبقى التهمةُ قائمةٌ ضِدَّه ويظل في قفص الاتهام والحقيقة تكشف أن الأساتذة الذين يلجؤون إلى مثل هذا الأسلوب (أعني أسلوب المحاكمة هم في حقيقتهم ضحايا الذين تربوا معهم، ومن ثم يصدق عليهم القول: «رزعوا فأكلنا وتزرع فيأكلون» .
وهناك جامعات عربية درّس فيها أساتذة إنجليز بأسلوب عسكري، وهو أسلوب المستعمر، فجاءت الأجيال التالية مشبعة بمفاهيم تربوية تسلطية مستبدة، ونقل التلاميذُ قيم وتقاليد أساتذتهم دون أن يدركوا الهرة التي وقعوا فيها، ومن ثم مارسوا أساليب منحرفة تجاه نفوس غضة وعقول طازجة لا ذنب لها إلا أن الظروف الموضوعية والمتسمة بالتخلف الاجتماعي والثقافي والنفسي أسرتها أسراً لا فكاك منه .
ثانياً: أسلوب المحاورة
المحاورة تعني التفاعل بين عقول تؤمن بحقِّ الآخرين في اعتناق الرأي والرأي الآخر، لا فيصل في ذلك إلا الحقيقة والحقيقة وليدة الاحتكاك والمساجلة والتجربة.
أ- مستلزمات :
- إتاحة كل الفرص للطالب للدفاع الكافي والهادئ عن رسالته العلمية، ومن ثم فإن فن الإصغاء يقتضي عدم مقاطعته إلا في حالة لجوئه إلى اللف والدوران أو التزويغ .
- الاهتمام المركزي بالمضمون من قبل لجنة المناقشة، واللجوء إلى الهدوء في الحوار، وذلك لزرع الثقة في نفس الباحث، وكسب وده وجلبه إلى حلبة الحوار المنتج والمتعدّد الأوجه.
ب- مبررات الحوار
الفكرة الجوهرية في مناقشة الرسائل العلمية، ومنح الشهادات المترتبة على ذلك تتمثل في أن الرسالة (البحث) هو إجازة (رخصة إذن) للبحث العلمي أكثر مما هو تخصص بالمفهوم الضيق ؛ فدرجة الماجستير أو الدكتوراه تعني القدرة على إعداد بحث علمي، ومن ثم فإن الطالب الباحث قادر على إنجاز بحوث وفق منهجية علمية، فالمهم هو الأساليب والطرائق التي تعني الإجادة فيها الوصول إلى نتائج جيدة، فالتوصيات الرصينة دليل تفكير، ولا يمكنك بلوغ الحقيقة إلا بوسائل وأساليب سليمة أساساً، وصحيّة في منهجها، والإبداع يتم وفق التأمل المنهجي الطويل بمسألة محددة. فأخذ الطالب درجة الدكتوراه في الفلسفة أو الطب لا يعني أنه أصبح فيلسوفاً أو عالماً، وإنما يعني أنه حائز على الطرائق المنهجية لصيرورته فيلسوفاً أو عالماً ، إذا ما واظب في التعمق في مجال تخصصه .
ت- أساس الحوار
يجري حول أفكار متعددة ومتنوعة، ومن ثم يمكن تصور أن الحوار يدور حول :
- فكرة خاطئة: ويبين المناقش أوجه الخطأ أو عدم الصواب.
- فكرة غير واضحة: ويستجلي المناقش ماهيتها، أو يرغب رفع الغموض أو اللبس عنها .
- فكرة ناقصة: وبتعاون المناقش يبدي من الآراء ما يكمل النقصان، وحينئذ يستفيد الطالب الباحث فائدة جمة .
- فكرة منسوبة للباحث: بينما قال بها غيره ويعيد المناقش الحق إلى نصابه، ويُذكّره بالأمانة العلمية وأخلاقيات البحث العلمي.
- فكرة متكاملة: وفي هذه الحالة يشيد المناقش بجهد الباحث ويبرز نواحي اكتمال الفكرة النظرية .
ثالثاً: المناقشة كبرنامج تدريبي:
مناقشة الرسالة العلمية عبارة عن بحث علمي يتقدم به طالب البحث لنيل درجة علمية بعد مناقشته من قبل لجنة متخصصة.
تقوم ببيان مزايا ومساوئ أو عيوب البحث، إضافة إلى مناقشته حول بعض الأفكار والنظريات الواردة في بحثه ومن ثم يزوّد المناقشون الباحث بخلاصة خبراتهم وتوجيهاتهم إلى قيام الباحث في المستقبل بإعداد بحث على نحو أفضل، ولذلك يجب أن يستفيد الطالب الباحث من (مجمل الأفكار التي يعرضها المناقشون إضافة إلى الآراء التي يثيرونها من أجل تدريب ذاته للحصول على مهارات أفضل في إعداد البحث العلمي).
تحقيق الآراء والراجح أن ينظر إلى الرسائل العلمية نظرات مختلفة :
أولاً : رسالة الماجستير
إن مناقشة هذه الرسالة تقتضي أن تكون لجنة المناقشة تتعامل مع طالب الماجستير معاملة ثنائية :
- أن يشتد الأستاذ المناقش مع الطالب في تقويمه علمياً وإظهار مميزات رسالته ومثالبها والتأكيد على المنهج العلمي السليم في كتابة البحث، وأن تكون محاكمة صعبة يشعر الطالب بأهمية تلك المناقشة، وضرورة الالتزام بالملاحظات القيمة التي يدرسها الأستاذ، وعلى هذا فإن مهمة المناقشة التقويم الصحيح للرسالة وصاحبها .
- تقدير الرسالة : وأما تقدير الرسالة فأرى أن يعطى صاحب الرسالة التقدير الذي يستحقه، وإن تقدير اللجنة للجهود الكبيرة التي يبذلها طالب الماجستير في أول تجربة علمية يخوضها أمر مهم جداً في دفعه إلى تفوق علمي آخر.
ثانياً: رسالة الدكتوراه
المفروض في طالب الدكتوراه أنه قد اجتاز مرحلة الماجستير، وقومت رسالته وعُرّف بقواعد البحث ومناهجه، وعرف مثالب رسالته ،وبحثه، واستفاد من ذلك كلّه، لذلك فتكون مناقشة طالب الدكتوراه منصبة على رسالته ،وبحثه ،والتزامه ولا يشتد عليه بيان عدم التزامه بمناهج البحث العلمي، وإنما يشار إليه في ذلك، وإنما تكون الشدة والمحاكمة في قبول رسالته وإعطائها التقدير، إذ لا بأس أن ترد رسالته أو تؤجل لأنه وصل إلى المرحلة النهائية التي من الصعب أن يُقوّم بعد حصوله على (الدكتوراه) بإعادة النظر فيها وتعديلها وإعادة بعض أبوابها التي تستوجب ذلك من الأمور الهامة في مثل هذه المرحلة.